الذهبي
261
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
قال قاضي القضاة ابن خلِّكان : وجدت في عدَّة تواريخ أنَّ الحريري صنَّف " المقامات " بإشارة أنوشروان إلى أن رأيت بالقاهرة سنة ست وسبعين نسخة مقامات كلها بخط مصنِّفها ، وقد كتَبَ بخطه أيضاً أنه صنَّفها للوزير جلال الدين عميد الدولة أبي علي الحسن بن علي بن صدقة وزير المسترشد ، ولا شك في أنَّ هذا أصح لأنه بخط المصنِّف ، وتُوفي الوزير المذكور في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة . وذكر الوزير جمال الدين علي بن يوسف الشَّيباني القفطي في " تاريخ النُّحاة " : أن أبا زيد السَّروجي اسمه المُطهّر بن سلاَّر ، وكان بصريًّا لغويًّا صحب الحريري ، وتخرَّج به ، وقد روى أبو الفتح محمد بن أحمد المندائي " مُلْحة الإعراب " عنه عن الحريري ، حدَّثهم بها بواسط في سنة ثمان وثلاثين . وتوفي بعد الأربعين وخمسمائة ، وقد شرح " المقامات " جماعة من الفضلاء . قال القاضي : ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري عمل " المقامات " أربعين مقامة ، وحملها إلى بغداد فاتهمه جماعة من أدباء بغداد ، وقالوا : هي لرجل مغربي مات بالبصرة ووقعت أوراقه إلى الحريري ، فظفر بها ، فادعاها ، فسأله الوزير عن صناعته ، فقال : أنا رجل مُنْشئ ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيَّنها ، فانفرد في ناحية من الدار وأخذ الدَّواة والورقة ومكث زماناً ، فلم يُفْتَح عليه بشيء يكتبه ، فقام خجلاً ، وكان ممن أنكر دعواه علي بن أفلح الشَّاعر ، فعمل في ذلك : شيخ لنا من ربيعة الفرس . . . ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان كما . . . رماه وسط الدِّيوان بالخرس وكان الحريري يذكر أنَّه من ربيعة الفرس ، وكان يولع بنتف لحيته عند الفكرة ، وكان يسكن في مشان البصرة ، فلما رجع إلى بلده أكملها خمسين مقامة ، وسَّير العشرة ، واعتذر عن عيِّه بالهيبة . وقيل : بل كره المُقام ببغداد فتجاهل .